الاستثمار في السلام.. حماية للإنسان واقتصاد الدول 

بقلم/ آمال مختار

في عالم تتزايد فيه الأزمات والصراعات، لم يعد الاستثمار في السلام والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي رفاهية سياسية، بل أصبح ضرورة حقيقية لحماية الإنسان من أن يتحول إلى الضحية غير المرئية للحروب.

فالحروب لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات وحجم الدمار العسكري، فهناك حرب أخرى صامتة تمتد آثارها إلى موائد الأسر، وإلى أسعار الغذاء وتكاليف الحياة اليومية. والعالم اليوم شديد الترابط؛ فالسفينة التي تتعرض للخطر في أحد الممرات البحرية، أياً كان ما تحمله من حبوب أو طاقة أو غيرها من متطلبات الحياة، يمكن أن تترك آثارًا تمتد إلى الأسواق في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة المعركة.

وفي النهاية، يصب هذا الأثر في حياة المواطن العادي، الذي قد لا يعرف تفاصيل الصفقات السياسية أو خرائط النفوذ الدولي، لكنه يعرف جيدًا تكلفة احتياجات أسرته، ويشعر مباشرة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف المعيشة.

وتشير بيانات وتقارير اقتصادية إلى ضخامة الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أعلنت دول خليجية عن التزامات استثمارية مستقبلية بمئات المليارات من الدولارات، إلى جانب الاستثمارات الأمريكية في دول الخليج، مع اختلاف طبيعة وحجم الاستثمارات الفعلية عن أرقام التعهدات الاستثمارية المستقبلية.

وهنا تبرز حقيقة مهمة: الشراكات الاقتصادية يجب أن تُحاط بإطار من الحفاظ على السلام والاستقرار؛ فالاستثمار لا يمكن أن يزدهر بصورة مستدامة في بيئة يسودها الصراع وعدم الاستقرار.

ومن هنا يصبح تحقيق السلام ضرورة لحماية المصالح المشتركة واستمرارها، كما تصبح الشراكات الاقتصادية إحدى أدوات التشاور والدبلوماسية، عندما تقترن بالتعاون السياسي واحترام سيادة الدول والقانون الدولي.

فالاقتصاد لا ينبغي أن يكون معزولًا عن السلام، والشراكات الاقتصادية الحقيقية لا تُقاس بحجم الأموال وحده، وإنما بقدرتها على خلق مصالح مشتركة تشجع الدول على الحوار والتعاون، وتمنح السلام فرصة أكبر، وتقلل من دوافع الصراع.

إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى صانعي القرار حول العالم هي أن الحروب لا تنتهي عند حدود الدول المتحاربة، بل قد تمتد آثارها إلى أبسط تفاصيل حياة الإنسان، من غذائه واحتياجات أسرته إلى أمنه الاقتصادي ومستقبله.

ولذلك، فإن مسؤولية شعوب العالم لا تقتصر على رفض الحرب، وإنما تمتد إلى تشجيع القيادات وصانعي القرار على انتهاج طريق السلام، ودعم الدبلوماسية والحوار، وتوجيه الاستثمارات نحو بناء جسور التعاون لا جدران الصراع.

فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو بيئة تُبنى فيها الاقتصادات، وتحفظ فيها كرامة الإنسان، ويأمن فيها المجتمع على غذائه ومستقبله.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في المال والمشروعات، وإنما في الإنسان، وفي الاستقرار، وفي بناء صرحٍ شامل للسلام.


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، بالإضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس المنتدى الدولى للصحافة والإعلام ورئيس مكتب الاتحاد الدولي للصحافة العربية في كندا، كما يتولى رئاسة تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المنصات الإعلامية الأخرى. يمتلك الدكتور خاطر خبرة واسعة في مجال الصحافة والإعلام، ويُعرف بكونه صحفياً ومؤلفاً متخصصاً في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. يركز في أعماله على إبراز القضايا الجوهرية التي تمس العالم العربي، لا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. طوال مسيرته المهنية، قام بنشر العديد من المقالات التي سلطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات التي تطال الحريات العامة في عدد من الدول العربية، فضلاً عن تناوله لقضايا الفساد المستشري. ويتميّز أسلوبه الصحفي بالجرأة والشفافية، ساعياً من خلاله إلى رفع الوعي المجتمعي والمساهمة في إحداث تغيير إيجابي. يؤمن الدكتور هاني خاطر بالدور المحوري للصحافة كأداة فعّالة للتغيير، ويرى فيها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!
العربيةالعربيةFrançaisFrançais