
في ظل تصاعد الأزمات العالمية، يعود دونالد ترامب إلى واجهة الأخبار بتصريحات مثيرة تارةً عن “وقف الحروب”، وتارةً أخرى عن توسيع النفوذ الأمريكي عبر ضم دول مثل كندا وجرينلاند، بينما يُتهم بدعم عمليات عسكرية واسعة في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان واليمن، وبتصعيد التهديدات ضد إيران، وهذه التناقضات تطرح سؤالًا محوريًا: هل يمكن اعتبار ترامب – الذي يصور نفسه كمهندس للسلام – مُحرِّضًا للحروب؟.
لقد ادعى ترامب مرارًا أن هدفه إنهاء الحروب “التي لا نهاية لها”، مثل سحب القوات من سوريا وأفغانستان في 2019، كما أعلن انسحابًا مفاجئًا من شمال سوريا، مما سمح لتركيا باجتياح المناطق الكردية وتمت تغطية ذلك الانسحاب من قبل هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” في عام 2019، والتي قابلها زيادة الضربات الجوية بالصومال واليمن، وأيضا قلص الوجود العسكري في العراق حيث خفض عدد القوات من 5200 إلى 2500 جندي حسب بيانات وزارة الدفاع الأمريكية في عام 2020
وبالرغم من المقدمات السابقة التي تنبأ أن ترامب لا يريد الحرب ويبحث عن الاستقرار والسلام؛ إلا أن النقاد يرون أن هذه الخطوات جاءت على حساب الحلفاء مثل الأكراد، وتركت فراغًا استغلته جماعات مسلحة في كل من سوريا والعراق على سبيل المثال حسب مانشرته جريدة نيويورك تايمز في عام 2019.
وبالرغم من إدعاءات ترامب بأنه رجل سلام؛ إلا أنه قدم دعم غير محدود لإسرائيل، وتجلى ذلك الدعم اللانهائي في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الذي ألغى عقودًا من الحياد الأمريكي، واعتُبر ضربةً لعملية السلام حسبما ذكرت هيومن رايتس ووتش في 2018، ثم جاءت الصفقات مع بعض الدول العربية التي تمخضت عن اتفاقيات “إبراهيم” في 2020، والتي نُظر إليها كمحاولة لتحقيق سلام اقتصادي، لكن تلك الاتفاقيات تجاهلت القضية الفلسطينية كما نشرت مجلة فورين أفيرز الأميركية في عام 2020 التي تصدر كل شهر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي
وواصل ترامب دعمه لليمين الإسرائيلي، والذي أكده في مقابلة مع “فوكس نيوز” في 2023 بقوله: “إسرائيل لها الحق الكامل في الدفاع عن نفسها، حتى لو تطلب الأمر تدمير غزة”، وهذا الموقف يتجاهل تقارير الأمم المتحدة الصادرة في 2023 التي تُوثِّق انتهاكات لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة, كما وثق مركز المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة “بتسليم” في عام 2023، أنه تم استخدام أسلحة محظورة ضد المدنيين في غزة بدعم أمريكي.
ولا يخفى أن سيد البيت الأبيض الجديد ترامب أمر باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في 2020 عن طريق ضربة بطائرة مسيرة، مما دفع إيران للرد بقصف قاعدة عين الأسد، وفد تناقلت وكالة رويترز في 2020 ذلك، كما تم تصعيد العقوبات على إيران التي أدت إلى أزمة إنسانية حسب تقرير (UNICEF) في عام 2022، بالإضافة إلى تصاعد الهجمات الإلكترونية عليها، وقد نشرت فورين بوليسي في عام 2021 تقريرا بتلك الهجمات
كما دعم الحرب السعودية اليمنية بالموافقة على صفقة أسلحة للسعودية بقيمة 8 مليارات دولار رغم استخدامها في قصف مدنيين حسب ما ذكرته منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في عام 2021، أما تصريحات ترامب الأخيرة والتي مزجت بين المزاح والتوسع العسكري والمتمثلة في خطاباته عن ضم كندا وجرينلاند، حيث جاء خطابه كخطاب استفزازي ينبئ عن سياسة توسعية، وتصريحاته حول ضم جرينلاند – التابعة للدنمارك – ليست جديدة
فقد نشرت جريدة واشنطن بوست الأمريكية في 2019 أنه حاول شراؤها في 2019، أما حديثه عن كندا، فيُفسر كجزء من خطاب “القومية التوسعية”، رغم عدم وجود آليات قانونية لتنفيذ ذلك.
ويُبرر ترامب سياساته بمنطق “ردع الأعداء” لتحقيق الاستقرار، لكن البيانات تُظهر زيادة بنسبة 330% في الضربات الجوية باليمن مقارنةً بعهد أوباما، وفي دراسة لجامعة هارفارد عام 2022 أوضحت أن ترامب يعمد إلى تعزيز الشعبوية من خلال خطابه الاستفزازي الذي يحشد القاعدة الجمهورية، ولكن ذلك الخطاب يزيد الاستقطاب العالمي، وبينما يروج ترامب لصورته كـ”بطل للسلام”
فإن سجله العسكري والسياسي يُظهر ميلًا لتصعيد النزاعات عبر الدعم غير المشروط لبعض الحلفاء، والانسحابات المفاجئة التي تزيد الفوضى، كانسحابه من اتفاقيات باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، والتهديدات المباشرة ضد الخصوم، وقد يكون “السلام” في خطابه مجرد غطاء لاستراتيجية تقوم على الهيمنة بالقوة، مما يجعله – في نظر الكثيرين – رجل حرب بثوب مُموَّه.
اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.