إيران والحقد المؤجل.. لماذا بدأ العدوان على الخليج؟

د. يوسف العميري

في المنعطفات التاريخية الحادة لا يعد الصمت حيادا، ولا تصبح المجاملة سياسة، ولا يصلح التذاكي بديلا عن الرؤية، وما تشهده منطقتنا اليوم من تصعيد عسكري غير مسبوق، بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، ثم الرد الإيراني الذي اتخذ من الخليج العربي ساحة أولى، يفرض علينا قراءة أعمق من العناوين العاجلة وأبعد من ردود الفعل الانفعالية.

لقد حاولت دول الخليج طوال سنوات أن تكون صوت العقل في إقليم يعاني فائضا من الأيديولوجيا ونقصا فادحا في الحكمة، اختارت هذه الدول طريق التهدئة لا ضعفا بل إدراكا لكلفة الحروب على الشعوب قبل الأنظمة و سعت إلى تحييد نفسها والمنطقة عن صدام شامل، وفتحت أبواب الوساطة، وامتنعت عن الانجرار إلى الاستفزازات، رغم ما واجهته من تهديدات مباشرة وغير مباشرة.. كان الهدف واضحا: حماية الاستقرار، ومنع اشتعال حرب كبرى في قلب الشرق الأوسط.

لكن ما إن تعرضت إيران للضرب، حتى انكشف المستور فبدلا من أن تتجه طهران إلى مواجهة من هاجمها مباشرة، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، اختارت أن تفرغ غضبها أولا في الجغرافيا العربية، وبالتحديد في الخليج.. صواريخ و طائرات مسيرة وتحريك ميليشيات وتهديد طرق الملاحة والطاقة.. وكأن الرسالة تقول بوضوح لا لبس فيه إن الخليج هو الساحة الأسهل، والعرب هم الحلقة الأضعف في حسابات الردع.

هذا السلوك لا يمكن عزله عن سياق تاريخي طويل من العداء الممنهج، فالعلاقة بين إيران ودول الخليج لم تكن يوما علاقة حسن جوار حقيقي، بل علاقة مثقلة بالشكوك، وبمشروع توسعي اعتمد، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، على تصدير الأزمات بدل تصدير التنمية.

ومن يراجع سجل الميليشيات التابعة لإيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، يدرك أن الخليج لم يكن يوما خارج دائرة الاستهداف، حتى في أوقات الهدوء النسبي.

والأخطر أن الضربات الأخيرة لم تكن رمزية أو معزولة، فقد مست الكويت وقطر والإمارات والسعودية والبحرين والعراق وامتد أثرها إلى الأردن وسوريا، أي أننا أمام مشهد إقليمي يؤكد حقيقة واحدة لا تحتمل التأويل.. الخليج مستهدف والمنطقة العربية مستهدفة، ليس بسبب موقف اتخذته إنما بسبب موقعها وثقلها وثرواتها وخياراتها السيادية.

وهنا يبرز السؤال المؤلم الذي طالما تهربنا من مواجهته بصدق إلى متى تستمر الخلافات العربية، بينما تدار المعارك فوق رؤوسنا؟ إلى متى نبقى أسرى انقسامات سياسية وإعلامية، في وقت تتعامل فيه القوى الإقليمية الأخرى معنا ككتلة واحدة عند الاستهداف؟ لماذا نختلف على التفاصيل بينما يتفق خصومنا على ضرب الأساس؟

لقد أثبتت حرب اليوم أن أمن الخليج ليس شأنا محليا أو إقليميا محدودا، بل هو ركيزة أساسية لأمن الأمة العربية بأسرها، فحين تستهدف منشآت الطاقة، تهدد لقمة عيش ملايين العرب.. وحين تقصف المدن الخليجية، تفتح الأبواب لعدم استقرار شامل يمتد من المحيط إلى الخليج. وحين يترك الخليج وحيدا في المواجهة، فإن الدور سيأتي على غيره دون تردد.

إن أخطر ما في المشهد ليس فقط العدوان الإيراني، بل غياب الموقف العربي الموحد القادر على تحويل الغضب إلى استراتيجية، والصدمة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي.

يا سادة لا يكفي أن ندين ولا أن نستنكر ولا أن نراهن على حماية الآخرين، المطلوب اليوم موقف عربي واحد واضح وصلب لا يغامر بالحرب، لكنه لا يقبل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات.

نحتاج إلى عقيدة أمن عربي مشترك وإلى تنسيق سياسي حقيقي وإلى خطاب واحد يقول بوضوح إن الخليج خط أحمر، واستقراره جزء لا يتجزأ من استقرار العرب جميعا، نحن نحتاج إلى أن نفهم أن اليد الواحدة قد لا تصفق، لكنها بالتأكيد أقوى من أياد متفرقة يسهل كسرها واحدة تلو الأخرى.

انتبهوا يا عرب ما يحدث اليوم ليس فصلا عابرا في صراع بعيد، بل إنذار صريح بأن زمن التردد انتهى، فإما أن نختار الوحدة والتكامل، أو نترك لغيرنا أن يقرر متى وأين وكيف نستهدف، والتاريخ كما علمنا مرارا لا يمنح الفرص مرتين لمن يصر على تجاهل الدروس.


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، بالإضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية وحقوق الإنسان في كندا، كما يتولى رئاسة تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المنصات الإعلامية الأخرى. يمتلك الدكتور خاطر خبرة واسعة في مجال الصحافة والإعلام، ويُعرف بكونه صحفياً ومؤلفاً متخصصاً في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. يركز في أعماله على إبراز القضايا الجوهرية التي تمس العالم العربي، لا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. طوال مسيرته المهنية، قام بنشر العديد من المقالات التي سلطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات التي تطال الحريات العامة في عدد من الدول العربية، فضلاً عن تناوله لقضايا الفساد المستشري. ويتميّز أسلوبه الصحفي بالجرأة والشفافية، ساعياً من خلاله إلى رفع الوعي المجتمعي والمساهمة في إحداث تغيير إيجابي. يؤمن الدكتور هاني خاطر بالدور المحوري للصحافة كأداة فعّالة للتغيير، ويرى فيها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!
دعنا نخبر بكل جديد نعــم لا شكراً
العربيةالعربيةFrançaisFrançais