حين تُختزل العدالة في ميزان القوة: العدوان وازدواجية المعايير ومستقبل النظام الدولي
د. هانى خاطر

أزمة تتجاوز الحدث
ليست القضية حدثًا عسكريًا عابرًا، ولا مواجهة محدودة يمكن احتواؤها ببيان دبلوماسي أو اتصال هاتفي، ما يجري هو لحظة كاشفة لأزمة أعمق بكثير من صاروخ أُطلق أو ضربة نُفِّذت، إنها أزمة في بنية النظام الدولي ذاته في تعريف العدالة وفي معنى السيادة، وفي حدود استخدام القوة.
هناك اعتداء وقع وسيادة دولة انتُهكت وضربات عسكرية نُفِّذت خارج سياق توافق دولي جامع، ومع ذلك تتجه الإدانات بسرعة مذهلة نحو الطرف الذي ردّ لا نحو الطرف الذي بدأ التصعيد، يُطلب من المعتدى عليه أن يلتزم الصمت، أن يتحمّل القصف بوصفه “معادلة ردع” وأن يقبل بفرض الوقائع بالقوة، وإلا وُصف ردّه بالتهور والتصعيد وتهديد الأمن الإقليمي.
هذه المفارقة ليست خللًا عابرًا في الخطاب، بل تعبير عن انحراف بنيوي: انحراف يجعل القوة معيارًا للحق، والتحالف بديلًا عن الشرعية.
إعادة تعريف المفاهيم … كيف يُجمَّل العدوان؟
أخطر ما في المشهد ليس الفعل العسكري ذاته بل اللغة التي تحيط به، العدوان لا يُسمّى عدوانًا بل يُسوَّق بوصفه “ضربة استباقية” انتهاك السيادة لا يُدان بل يُفهم ضمن “ضرورات الأمن القومي” القصف يُقدَّم كأداة “لإعادة التوازن” لا كعمل عسكري خارج الأطر القانونية.
بهذه الطريقة تُعاد صياغة المفاهيم الكبرى:
- الدفاع عن النفس يُحتكر.
- الردع يُستخدم لتبرير الهجوم.
- الاستقرار يُختزل في غياب ردّ الفعل، لا في غياب العدوان.
هنا يتحول الخطاب إلى أداة هندسة وعي تُعيد ترتيب الأخلاق السياسية بحيث يُنظر إلى القوة بوصفها حقًا مشروعًا بحد ذاتها لا أداة استثنائية مشروطة بالقانون.
وفي المقابل عندما يأتي الردّ تُستدعى فجأة مفردات القانون الدولي وضبط النفس وحماية المدنيين، يُطلب من الطرف الذي تعرض للضرب أن يكون أكثر التزامًا بالقانون ممن انتهكه، وأكثر حرصًا على الاستقرار ممن قوضه.
إنها معادلة أخلاقية معكوسة بالكامل.
منطق الإفلات من العقاب … لماذا يتكرر العدوان؟
العدوان لا ينشأ فجأة بل يتغذى على بيئة تسمح به، حين تتحرك دولة وهي تدرك أن لديها غطاءً سياسيًا وعسكريًا صلبًا وأن هناك قوة عظمى مستعدة لتبرير أفعالها أو تعطيل أي مساءلة دولية لها فإن حسابات الكلفة تتغير.
الدعم غير المشروط والفيتو الدبلوماسي والتحالفات العسكرية الممتدة كلها عناصر تصنع شعورًا بالحصانة ومع تكرار التجربة دون عقاب حقيقي يتحول استخدام القوة إلى أداة اعتيادية في إدارة الخلافات.
في هذه البيئة لا يُحسب ثمن العدوان بميزان القانون، بل بميزان المكاسب الاستراتيجية. وهنا يكمن التحول الأخطر: عندما تصبح الضربة العسكرية خيارًا سياسيًا طبيعيًا لا استثناءً اضطراريًا.
إن الإفلات من العقاب ليس مجرد خلل أخلاقي؛ إنه خلل استراتيجي يُشجع على مزيد من التصعيد فكل سابقة تمرّ دون مساءلة تتحول إلى قاعدة غير مكتوبة.
ازدواجية المعايير… من استثناء إلى قاعدة
لم تعد ازدواجية المعايير مسألة جدلية لقد أصبحت واقعًا متكررًا، هناك دماء تُستباح ويُطلب من أصحابها التهدئة، أراضٍ تُقصف ويُدان أهلها إن فكروا في الرد، شعوب تُعاقَب جماعيًا بعقوبات اقتصادية ثم يُستنكر غضبها بوصفه تهديدًا للاستقرار.
في هذه المعادلة:
- يُدان الغضب أكثر مما يُدان القصف.
- يُخشى الردّ أكثر مما يُخشى العدوان.
- يُمنح المعتدي حق تفسير أفعاله بينما يُحرم المعتدى عليه من حق شرح ردّه.
هكذا تتحول العدالة من مبدأ شامل إلى أداة انتقائية، القانون لا يُلغى، بل يُستخدم حين يخدم، ويُعلَّق حين يقيّد.
هذا النمط لا يقتصر على حالة واحدة بل يؤسس لسابقة خطيرة : أن سيادة الدول ليست حقًا متساويًا بل امتيازًا سياسيًا يرتبط بموقعها في شبكة التحالفات الدولية.
من بعد إيران؟ سؤال المرحلة
السؤال الذي يفرض نفسه ليس مرتبطًا بدولة بعينها بل بمسار كامل : من بعد إيران؟
إذا أصبح استهداف دولة ذات سيادة خيارًا مطروحًا يمكن تمريره بخطاب مناسب وإذا جرى تحويل النقاش من أصل العدوان إلى تداعيات الرد عليه فإن الرسالة التي تصل إلى العالم واضحة : الحماية ليست حقًا قانونيًا بل امتيازًا سياسيًا.
أي دولة لا تتمتع بحماية قوة عظمى قد تجد نفسها في الموقع ذاته:
- تُستهدف أولًا،
- تُدان إن ردّت،
- يُطلب منها ضبط النفس،
- ثم يُعاد تعريف العدوان ضدها بوصفه ضرورة أمنية.
وهنا لا يعود الأمر حادثة منفردة، بل نمطًا قابلًا للتكرار، الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا بل مساهمة في تثبيت سابقة ستدفع ثمنها دول أخرى لاحقًا.
تآكل فكرة النظام الدولي
النظام الدولي الحديث تأسس نظريًا على مبدأ منع تغوّل القوة، كان الهدف أن يحمي القانون الضعيف من القوي، وأن يكون اللجوء إلى القوة استثناءً مقيدًا لا أداة مفتوحة.
لكن حين تُطبّق القواعد انتقائيًا، تتآكل شرعية النظام ذاته، المؤسسات الدولية تفقد وزنها المعنوي حين تبدو عاجزة عن محاسبة الأقوياء، والنتيجة ليست فقط أزمة ثقة بل تحولًا في سلوك الدول.
عندما تفقد الدول ثقتها في الحماية القانونية، تبحث عن حماية بديلة : حماية القوة الذاتية، يتوسع سباق التسلح، تتعزز سياسات الردع ويتحول الاستقرار إلى توازن رعب.
وهكذا ينتقل العالم من نظام قواعد إلى نظام حوافز للقوة.
الأخطر من الضربة … الفلسفة التي تبررها
الضربة العسكرية قد تنتهي لكن الفلسفة التي تبررها تبقى الفكرة القائلة إن:
- القوة تمنح الشرعية،
- التحالف يمنح البراءة،
- الردّ أخطر من العدوان.
هذه الفلسفة هي ما يقوّض النظام الدولي تدريجيًا لأنها لا تعالج جذور الصراع بل تعيد إنتاجه في كل مرة بصيغة أكثر حدة.
عندما يُدان الردّ دون مساءلة العدوان لا يتحقق السلام بل يُؤجَّل الانفجار لأن الشعوب لا تنسى وتراكم الإحساس بالظلم يتحول مع الوقت إلى وقود لصراعات أوسع.
العدالة لا تتجزأ
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على كبح ردود الأفعال فقط بل على معالجة أصل المشكلة، لا يمكن مطالبة طرف بضبط النفس بينما يُترك الطرف الآخر حرًا في استخدام القوة دون محاسبة.
العدالة لكي تكون عدالة يجب أن تكون غير انتقائية السيادة لكي تكون ذات معنى، يجب أن تُحترم للجميع،وإلا فإننا أمام عالم تُقاس فيه الحقوق بمدى القرب من مراكز النفوذ.
القضية ليست دفاعًا عن دولة بعينها بل دفاعًا عن مبدأ يحمي الجميع لأن سقوط هذا المبدأ يعني أن العالم يدخل مرحلة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق “الأقوى يقرر”.
لحظة اختبار حقيقية
ما نعيشه اليوم ليس أزمة عابرة بل لحظة اختبار للنظام الدولي بأكمله هل يبقى القانون مرجعية عليا؟ أم يتحول إلى أداة مرنة تُطوَّع وفق مصالح القوى الكبرى؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح لا لبس فيه:
إذا سُمح اليوم بتبرير العدوان تحت أي مسمى، فمن سيكون التالي غدًا؟
وحين يأتي الدور على دولة أخرى قد يكتشف الجميع أن القاعدة التي سُمح بترسيخها لم تكن استثناءً بل كانت بداية مسار جديد تُعاد فيه صياغة العالم وفق منطق القوة المجردة.
إن تجاهل العدوان لا يحفظ الاستقرار بل يؤسس لفوضى مؤجلة وإدانة الردّ دون تسمية الفعل الأصلي باسمه ليست حيادًا بل انحيازًا غير معلن.
وفي عالم تُختزل فيه العدالة في ميزان القوة لا أحد في مأمن دائم لأن القاعدة التي تُستخدم اليوم ضد طرف يمكن أن تُستخدم غدًا ضد غيره.
وحينها، لن يكون السؤال : من بدأ؟
بل سيكون السؤال: لماذا سمحنا بتحول القوة إلى قانون؟
اللهم احفظ مصر وامنحها الأمن والاستقرار والحرية، وبارك في أهلها وقيادتها وشعبها.
واحفظ الدول العربية من كل سوء، وادفع عنها الفتن والمخاطر، وحقق لها الأمن والسلام والازدهار
اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


