التنمية المستدانة .. حين يتحول الاقتراض من وسيلة للتنمية إلى عبء على المواطن والدولة

بقلم الدكتور : سعيد حسانين

تمتلك مصر من المقومات الاقتصادية والبشرية والجغرافية ما يؤهلها لأن تكون واحدة من أكبر الاقتصادات الإنتاجية في المنطقة، فهي دولة تملك موقعًا استراتيجيًا فريدًا، وموارد طبيعية متنوعة، وسوقًا استهلاكية ضخمة، وقوة بشرية قادرة على العمل والإنتاج والابتكار. ورغم ذلك، ما زال الاقتصاد المصري يعتمد بدرجات كبيرة على موارد تقليدية مثل الضرائب والرسوم والقروض والمنح، وهو ما يطرح تساؤلًا اقتصاديًا مهمًا: هل يتناسب هذا النمط الاقتصادي مع حجم وإمكانات دولة بحجم مصر؟

إن القضية هنا لا تتعلق برفض الاقتراض في حد ذاته، فالقروض تُعد أداة اقتصادية طبيعية تستخدمها معظم دول العالم، لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذه القروض. فهناك قروض إنتاجية تُستخدم في إنشاء مصانع ومشروعات وصناعات قادرة على تحقيق عائد اقتصادي مستدام، وهناك قروض تشغيلية أو استهلاكية تُستخدم في سد عجز الموازنة أو تمويل النفقات الجارية مثل المرتبات والدعم والخدمات اليومية. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين التنمية المستدامة والتنمية المستدانة.

فالتنمية المستدامة تقوم على بناء اقتصاد قادر على إنتاج الثروة بصورة مستمرة، من خلال الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير وخلق القيمة المضافة، بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج الحقيقي داخل الدولة، ومن ثم زيادة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وليس فقط الناتج النقدي أو الاسمي. وعندما يرتفع الناتج الحقيقي بمعدلات تفوق النمو السكاني، يزداد نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي، فتتحسن مستويات المعيشة وترتفع معدلات رفاهية المواطنين بصورة حقيقية ومستدامة، ويصبح النمو الاقتصادي ناتجًا عن الإنتاج والعمل وليس عن التوسع في الاقتراض.

أما التنمية المستدانة فهي نمط اقتصادي يعتمد على الاقتراض بصورة متزايدة لتمويل الإنفاق العام دون توسع موازٍ في القاعدة الإنتاجية، فتتحول القروض من وسيلة مؤقتة لدعم الاقتصاد إلى التزام دائم يضغط على الموازنة العامة للدولة. ومع الوقت، ترتفع أعباء خدمة الدين وفوائده، فتضطر الدولة إلى زيادة الضرائب والرسوم ورفع أسعار بعض الخدمات والطاقة، لينتقل العبء بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى المواطن، الذي يجد نفسه في مواجهة ارتفاع مستمر في تكاليف الحياة دون زيادة موازية في دخله الحقيقي.

ومن هنا تظهر خطورة الاعتماد على القروض التشغيلية أكثر من القروض الإنتاجية، لأن القرض الذي يذهب إلى الإنتاج يمكن أن يولد عائدًا يساعد على سداده مستقبلًا، بينما القرض الذي يُستخدم في التشغيل فقط لا يخلق أصلًا اقتصاديًا جديدًا قادرًا على توليد إيرادات مستدامة. ولذلك فإن الاقتصاد الذي يعتمد على الاقتراض دون زيادة حقيقية في الإنتاج يظل معرضًا لضغوط مستمرة، مهما ارتفعت معدلات الإنفاق أو زادت المشروعات الشكلية.

إن الحل الحقيقي لأي اقتصاد لا يكمن في الجباية وحدها، بل في الإنتاج. فالدول لا تتقدم بكثرة الضرائب أو تراكم الديون، وإنما تتقدم عندما تتحول إلى دول منتجة قادرة على التصنيع والتصدير وخلق فرص العمل ورفع القيمة المضافة. ولذلك فإن مستقبل الاقتصاد المصري يجب أن يرتبط بصورة أكبر ببناء قاعدة إنتاجية قوية، قادرة على تقليل الاعتماد على الاستيراد والاقتراض معًا.

ومن هنا تبرز أهمية فكرة تحويل كل محافظة مصرية إلى مركز إنتاجي متخصص وفقًا لميزاتها النسبية، بحيث تصبح التنمية موزعة على جميع أنحاء الدولة بصورة اقتصادية حقيقية. فمحافظة مثل دمياط، رغم صغر مساحتها، استطاعت أن تقدم نموذجًا واضحًا في صناعة الأثاث، بينما تمتلك محافظات أخرى فرصًا ضخمة في الزراعة أو التعدين أو السياحة أو الصناعة أو الخدمات اللوجستية. فالوادي الجديد مثلًا يمتلك مساحات هائلة يمكن استغلالها في الزراعة والطاقة والتعدين، ومنطقة قناة السويس يمكن أن تتحول إلى أحد أكبر المراكز الصناعية واللوجستية في المنطقة، وسيناء تمتلك إمكانات سياحية وتعدينية واستراتيجية ضخمة، والدلتا يمكن أن تقود التصنيع الزراعي، والصعيد يمتلك فرصًا واعدة في الصناعات التعدينية والزراعية.

كما أن وجود خبير اقتصادي أو فريق اقتصادي متخصص داخل كل محافظة، تكون مهمته دراسة موارد المحافظة واستغلالها بصورة علمية، يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد محلي منتج داخل كل إقليم، بما يؤدي إلى زيادة التشغيل وتقليل البطالة ورفع معدلات الإنتاج الحقيقي.

وعندما يزيد الإنتاج الحقيقي، تتحسن المؤشرات الاقتصادية بصورة طبيعية؛ فيزداد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ويرتفع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج، وتتحسن مستويات الدخل والمعيشة، وتزداد رفاهية المواطن، كما ترتفع معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي، لا النمو القائم على التوسع النقدي أو التمويل المؤقت. ومع توسع الإنتاج، تستطيع الدولة زيادة إيراداتها بصورة طبيعية من النشاط الاقتصادي نفسه، لا من خلال زيادة الأعباء على المواطنين، وهو ما يساعد تدريجيًا على تقليل عجز الموازنة العامة للدولة وخفض الاعتماد على الاقتراض، وبالتالي تخفيف الضغوط الناتجة عن فوائد الديون.

إن الحديث عن التنمية المستدامة لا يجب أن يظل مجرد مفهوم نظري، بل يجب أن يرتبط بزيادة الإنتاج الحقيقي وبناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه بنفسه. فالتنمية التي تعتمد على الإنتاج تخلق دورة اقتصادية متكاملة، بينما التنمية التي تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض تظل مرتبطة باستمرار الحاجة إلى التمويل.

ومصر تملك بالفعل كل المقومات التي تجعلها قادرة على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الجباية والتمويل إلى اقتصاد إنتاجي قوي، لكن ذلك يتطلب إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية بصورة تجعل الإنتاج هو الهدف الرئيسي للسياسات الاقتصادية، باعتباره الطريق الحقيقي نحو الاستقرار المالي وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

فالاقتراض قد يساعد على تجاوز أزمة مؤقتة أو تمويل احتياج عاجل، لكنه لا يستطيع وحده بناء اقتصاد قوي ومستدام. أما الإنتاج، فهو القادر على صناعة ا


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، بالإضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية وحقوق الإنسان في كندا، كما يتولى رئاسة تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المنصات الإعلامية الأخرى. يمتلك الدكتور خاطر خبرة واسعة في مجال الصحافة والإعلام، ويُعرف بكونه صحفياً ومؤلفاً متخصصاً في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. يركز في أعماله على إبراز القضايا الجوهرية التي تمس العالم العربي، لا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. طوال مسيرته المهنية، قام بنشر العديد من المقالات التي سلطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات التي تطال الحريات العامة في عدد من الدول العربية، فضلاً عن تناوله لقضايا الفساد المستشري. ويتميّز أسلوبه الصحفي بالجرأة والشفافية، ساعياً من خلاله إلى رفع الوعي المجتمعي والمساهمة في إحداث تغيير إيجابي. يؤمن الدكتور هاني خاطر بالدور المحوري للصحافة كأداة فعّالة للتغيير، ويرى فيها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!
دعنا نخبر بكل جديد نعــم لا شكراً
العربيةالعربيةFrançaisFrançais