بين حرية الرأي والمسؤولية المهنية .. من يراجع الخطاب الإعلامي المثير للجدل؟

على أبو زيدان يكتب:

يشهد الحقل الإعلامي في السنوات الأخيرة حالة من الجدل المتكرر حول بعض التصريحات التي تُطرح عبر البرامج التلفزيونية وتتناول قضايا الأسرة والعلاقات الزوجية. ويزداد هذا الجدل عندما تتحول الآراء الشخصية والاجتهادات الفردية إلى رسائل إعلامية واسعة الانتشار يتلقاها ملايين المشاهدين، خصوصًا عندما تتعلق بقضايا اجتماعية وثقافية شديدة الحساسية.

وفي هذا السياق، أثارت بعض التصريحات المنسوبة لإعلاميين نقاشًا واسعًا في الأوساط المجتمعية والإعلامية، لا بسبب حقها في إبداء الرأي، وإنما بسبب طبيعة الخطاب الذي يراه البعض قائمًا على المبالغة في تصوير العلاقة بين الزوجين، بما قد يوحي بأن الزوجة مطالبة بتقديم مستويات استثنائية من الطاعة والتقدير تتجاوز مفهوم الشراكة المتوازنة التي تقوم عليها الأسرة الحديثة.

ولا تكمن المشكلة في الدعوة إلى احترام الزوج أو تقديره، فذلك من القيم الإنسانية والاجتماعية المستقرة، وإنما في الخطاب الذي قد يؤدي إلى اختزال العلاقة الزوجية في معادلة غير متوازنة تمنح أحد الطرفين مكانة تتجاوز حدود الشراكة الطبيعية.

فاستقرار الأسرة لا يتحقق عبر تعظيم طرف على حساب الآخر، بل من خلال احترام متبادل وحقوق وواجبات متكافئة تحفظ كرامة الجميع كما أن بعض الطروحات الإعلامية تصبح محل تساؤل عندما يتم تقديم اجتهادات شخصية أو تفسيرات اجتماعية في صورة حقائق مطلقة أو مسلمات غير قابلة للنقاش.

وهنا يبرز الفارق بين الرأي الشخصي الذي يظل حقًا مكفولًا لصاحبه، وبين الرسالة الإعلامية التي تفرض عليها المهنية التزامًا أكبر بالدقة والتوازن وعدم إحداث التباس لدى الجمهور.

ومن زاوية أخرى، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق معدي ومقدمي البرامج وحدهم، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية التي تمتلك المنصات وتدير المحتوى فهذه المؤسسات مطالبة بمتابعة الرسائل التي تُبث للجمهور، والتأكد من توافقها مع المعايير المهنية والأخلاقية التي تضمن تقديم محتوى متوازن يحترم عقل المشاهد ويعزز الوعي المجتمعي.

كما أن الجهات التنظيمية والهيئات المعنية بالإعلام في مصر مطالبة بالقيام بدورها في رصد المحتوى المثير للجدل، ليس من باب تقييد حرية التعبير، وإنما من منطلق حماية المهنية الإعلامية والحفاظ على حق الجمهور في الحصول على محتوى يتسم بالمسؤولية والموضوعية.

فحرية الرأي لا تتعارض مع المساءلة المهنية، بل إن كليهما يمثل ركيزة أساسية لإعلام جاد ومؤثر إن الإعلام يمتلك قدرة هائلة على تشكيل القناعات والسلوكيات، ولذلك فإن أي خطاب يتناول الأسرة والعلاقات الإنسانية يجب أن يُبنى على التوازن والوعي والدقة، بعيدًا عن المبالغات أو الرسائل التي قد تثير الانقسام المجتمعي.

فالمجتمعات لا تُبنى بخطابات التقديس، وإنما بثقافة الشراكة والاحترام المتبادل، ولا تتقدم بالآراء الصادمة، بل بالأفكار الرصينة التي تجمع ولا تفرق، وتُثري النقاش العام دون أن تنحرف به عن مساره الموضوعي.

ويبقى السؤال الأهم: هل يكفي الجدل المجتمعي وحده لتصحيح المسار، أم أن الوقت قد حان لتعزيز دور المؤسسات الإعلامية والرقابية في متابعة المحتوى المقدم للجمهور، بما يضمن تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية؟ إنه سؤال يفرض نفسه بقوة كلما تحولت المنصات الإعلامية من ساحات للنقاش الرشيد إلى منصات لإنتاج الجدل بوصفه غاية في حد ذاته.


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، بالإضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية وحقوق الإنسان في كندا، كما يتولى رئاسة تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المنصات الإعلامية الأخرى. يمتلك الدكتور خاطر خبرة واسعة في مجال الصحافة والإعلام، ويُعرف بكونه صحفياً ومؤلفاً متخصصاً في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. يركز في أعماله على إبراز القضايا الجوهرية التي تمس العالم العربي، لا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. طوال مسيرته المهنية، قام بنشر العديد من المقالات التي سلطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات التي تطال الحريات العامة في عدد من الدول العربية، فضلاً عن تناوله لقضايا الفساد المستشري. ويتميّز أسلوبه الصحفي بالجرأة والشفافية، ساعياً من خلاله إلى رفع الوعي المجتمعي والمساهمة في إحداث تغيير إيجابي. يؤمن الدكتور هاني خاطر بالدور المحوري للصحافة كأداة فعّالة للتغيير، ويرى فيها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً.

اترك تعليقاً

error: المحتوى محمي !!
دعنا نخبر بكل جديد نعــم لا شكراً
العربيةالعربيةFrançaisFrançais