كُتاب

نتنياهو وخلق الأزمات الخارجية للهروب من السجن

القاهرة : محمد جوهر حامد

تعتبر قضية الفساد التي يُحاكم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أبرز القضايا السياسية والقضائية في تاريخ إسرائيل الحديث، حيث تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الداخلي وتتفاعل مع التطورات الإقليمية، لاسيما التصعيد العسكري المتكرر ضد قطاع غزة، وتزامن القصف الإسرائيلي العنيف على القطاع في الأشهر الأخيرة مع استمرار محاكمة نتنياهو أثار تساؤلات حول وجود علاقة بين الضغوط الداخلية التي يواجهها نتنياهو بسبب قضايا الفساد واستخدام القوة العسكرية كأداة لتحويل الانتباه العام أو تعزيز الدعم السياسي.

ويواجه نتنياهو ثلاث قضايا فساد رئيسية، تُعرف باسم “القضية 1000″، “القضية 2000″، و”القضية 4000″، والتي تتعلق بتهم الاختلاس، الرشوة، وخيانة الأمانة، ووفقاً لمركز المعلومات الإسرائيلي “المكتبة اليهودية الافتراضية” فإن هذه القضايا تشمل: “القضية 1000 والمتهم فيها نتنياهو بتلقي هدايا فاخرة من رجال أعمال بملايين الشواكل، مقابل تسهيلات حكومية، والقضية 2000المتهم فيها بمحاولة التوصل لصفقة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” لتلقي تغطية إعلامية إيجابية مقابل تقييد منافستها صحيفة “إسرائيل اليوم”، أما القضية 4000 يواجه فيها اتهامات بمنح امتيازات لمالك شركة الاتصالات “بيزك” مقابل تغطية إيجابية في موقع “واللا!” الإخباري”

وبدأت محاكمتة رسمياً في مايو 2020، وهي السابقة الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي أثناء توليه المنصب، وقد تأجلت المحاكمة عدة مرات بسبب استراتيجية دفاع نتنياهو الرامية إلى إطالة أمد الإجراءات القضائية من خلال خلق أزمات داخلية والتعبئة العامة للحرب.

مما لاشك فيه أن محاكمة نتنياهو أدت إلى تفاقم الاستقطاب السياسي في إسرائيل؛ فمن ناحية، يدعم اليمين المتشدد نتنياهو، معتبراً القضية “مؤامرة قضائية” لتقويض شرعيته، بينما يرى اليسار والمعارضة أن المحاكمة اختبار لمؤسسات الدولة الديمقراطية، ووفقاً لتحليل معهد “بروكنجز” عام 2022 فقد استخدم نتنياهو خطاباً شعبوياً لتصوير نفسه كضحية لنخبة قضائية وإعلامية مناهضة

وأدت المحاكمة إلى عدم استقرار حكومات إسرائيل المتعاقبة، حيث انهارت حكومات ائتلافية عدة بسبب خلافات حول دعم نتنياهو قانونياً، وفي نوفمبر 2022 عاد نتنياهو إلى السلطة بتحالف مع أحزاب يمينية متطرفة مثل “الصهيونية الدينية”، مما عزز شكوكاً حول استخدامه للسياسة الخارجية كأداة لتحقيق أهداف داخلية.

وتشير نظرية علم السياسة المعروفة باسم “wag the dog” إلى أن القادة السياسيين قد يلجؤون إلى خلق أزمات خارجية لتحويل الانتباه عن مشاكلهم الداخلية، ففي دراسة نشرتها “مجلة الصراع الدولي” في 2020 ، حلل الباحثون 50 حالة عالمية ووجدوا ارتباطاً إحصائياً بين ضعف القادة داخلياً وتصعيد عسكري، أما في حالة نتنياهو، لاحظت صحيفة “ذا غارديان” في عام 2023 أن التصعيد في غزة تزامن مع جلسات محاكمة حاسمة، مما دفع بعض المحللين إلى الربط بين الحدثين، ومع ذلك، يشكك آخرون في هذه النظرية، مُشيرين إلى أن دوافع إسرائيل الأمنية حقيقية، خاصة مع تصاعد الهجمات الفلسطينية

إلا أنه قد يُستخدم العنف العسكري لتعزيز شعبية القادة في أوقات الأزمات، وفقاً لاستطلاع “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” فقد ارتفعت شعبية نتنياهو بنسبة 15% خلال التصعيد الأخير، حيث يُظهر التاريخ الإسرائيلي ميلاً لـ”التوحيد خلف العلم” أثناء الحروب، وتُعرِّف إسرائيل غزة كـ”كيان معادي”، مما يبرر لديها عمليات عسكرية استباقية، وفي مايو 2023، تجدد القصف الإسرائيلي المكثف على غزة بعد عمليات فلسطينية فردية وهجمات صاروخية من القطاع. وفقاً لـ”بيتسيلم” (منظمة حقوق إسرائيلية)، وأسفر التصعيد عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم أطفال، وقالت إسرائيل إنها تستهدف “عناصر إرهابية” تابعة لحماس والجهاد الإسلامي، ثم تكرر القصف بشكل أعنف بعد العملية التي قامت بها حركة حماس في أكتوبر 2023.

إن تحالف نتنياهو مع أحزاب متطرفة مثل “الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريش، الذي يطالب بـ”ردع قاسٍ” ضد غزة، يدفع الحكومة إلى تبني سياسات عدوانية لاسترضاء شركاء الائتلاف، ووفقاً لتحليل “معهد واشنطن” فإن سموتريش وإيتامار بن غفير (وزير الأمن القومي) يمارسان ضغوطاً لتبني خطاب أكثر تشدداً، ويرى بعض النقاد

مثل الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز أن الربط بين المحاكمة والعنف يقلل من معاناة ضحايا غزة، ويُحوّل النقاش عن الجرائم الإنسانية إلى مجرد صراعات سياسية داخلية، وبالرغم من محاولات الكثير من ساسة اليمين المتطرف والنقاد الإسرائيليين نفي الربط بين محاكمات الفساد وبين الحرب التي تشنها حكومة اليمين المتطرف، بما فيهم نتياهو نفسه الذي نفى وبشده هذا الربط, إلا أن التصعيد الأخير أدى إلى إدانة دولية واسعة، مع دعوات مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، ومن ناحية أخرى، دعمت الولايات المتحدة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، وفقاً لبيان البيت الأبيض الصادر في مايو 2023، ولكن تبقى الروابط المباشرة بين محاكمة نتنياهو والتصعيد في غزة موضوعاً للنقاش

حيث أن التداخل بين الأزمات الداخلية والخارجية في السياسة الإسرائيلية يُظهر تعقيداً لا يُستهان به، سواء كان التصعيد العسكري تكتيكاً لتحويل الانتباه أو نتيجة لاعتبارات أمنية، فإن آثاره الإنسانية على المدنيين في غزة تظل مأساوية، مما يستدعي وقفة دولية جادة لتحقيق العدالة وحل الصراع بشكل دائم..


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

د. هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، إضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام، يشغل منصب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية وحقوق الإنسان بكندا، و رئيس تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المواقع الأخرى.هاني خاطر صحفيًا ومؤلفًا ذو خبرة عميقة في مجال الصحافة والإعلام، متخصصًا في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات، يركز في عمله على تسليط الضوء على القضايا المحورية التي تؤثر على العالم العربي، ولا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية.على مدار مسيرته المهنية، نشر العديد من المقالات التي تتناول انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة في بعض الدول العربية، فضلًا عن القضايا المتعلقة بالفساد الكبير، يتميز أسلوبه الكتابي بالجرأة والشفافية، حيث يسعى من خلاله إلى رفع مستوى الوعي وإحداث تغيير إيجابي في المجتمعات.يؤمن هاني خاطر بدور الصحافة كأداة للتغيير، ويعتبرها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومحاربة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

دعنا نخبر بكل جديد نعــم لا شكراً