كُتاب

الوشق المصري .. بين وهم الخلاص وعجز الحركة

د. هانى خاطر

في الأيام الأخيرة، اجتاح الوشق المصري مواقع التواصل الاجتماعي، متحوّلًا إلى أسطورة جماعية ورمز غامض يحمل دلالات تفوق مجرد صورة لحيوان مفترس، بدا وكأن الجماهير تتشبّث به كإشارةٍ خفيّة وسط واقعٍ مثقل بالخذلان، كأنّهم يُسقطون عليه رغبتهم العميقة في حدوث معجزة تُعيد التوازن، وتنتشلهم من حال العجز الذي بات وكأنه قدر محتوم، لكن خلف هذه الظاهرة الرقمية، يختبئ نمط نفسي واجتماعي خطير: الاعتماد على القوى الخارقة بدلًا من المواجهة والسعي للتغيير.

وشق يصيب الجنود.. والبحث عن انتقام سماوي

ما زاد من وهج هذه الظاهرة، وعمّق ارتباطها بالحلم بالخلاص، هو انتشار أخبار عن هجوم الوشق المصري على جنود إسرائيليين وإصابة عدد منهم، فجأة تحوّل الحيوان المفترس إلى رمزٍ للانتقام، وكأنّه استُحضر من العدم ليؤدّي مهمة إلهية، وليكون ردًّا غير متوقع على آلة الحرب الجبارة التي تسحق البشر بلا هوادة، في ظل العجز العسكري والسياسي، بدا الوشق وكأنه الجنود الخفية التي “لا يعلمها إلا الله”، والانتقام الذي يأتي حين تُغلّ الأيدي وتُقمع الأصوات.

هذا التفسير ليس جديدًا؛ فالتاريخ مليء بأحداث جعلت الشعوب المستضعفة تبحث عن رموز للخلاص عندما تعجز عن امتلاك القوة الفعلية، من انتظار الطير الأبابيل في مواجهة الفيل، إلى قصص الحيوانات المفترسة التي تفترس المحتلين، يجد الناس في هذه الروايات تعويضًا نفسيًا عن العجز، وشعورًا ولو زائفًا بأن العدالة تتحقق ولو عبر قوى الطبيعة.

الخلاص بلا ثمن.. الحلم الأزلي للمقهورين

إن تعلق الجماهير بهذه الرموز ليس مجرد مصادفة، بل هو نمط نفسي متكرر يظهر كلما اشتدت الأزمات وبلغ الإحباط مداه، حين يشعر الناس أنهم غير قادرين على تغيير الواقع، يلجأون إلى الإيمان بحدوث تدخل خارق، يحلّ المشاكل دون تكلفة أو تضحية، إنهم يتمنون الخلاص بلا ثمن، والانتصار بلا مواجهة، والتغيير بلا سعي.

هذا التفكير يرسّخ دائرة العجز؛ فكلما زاد الاعتماد على فكرة أن التغيير سيأتي من الخارج (سواء كان وحشًا مفترسًا أو حدثًا غامضًا)، قلّ الدافع الحقيقي للتحرك، ومع مرور الوقت، يتحول انتظار المعجزة إلى إدمانٍ نفسي يمنع الناس من إدراك أن القوة الحقيقية ليست في الوشق، بل في أيديهم لو امتلكوا الجرأة للتحرك.

من الأسطورة إلى الواقع.. متى نكسر الحلقة؟

تكرار هذه الظاهرة يعكس حاجة المجتمع إلى بطل، إلى معجزة، إلى انتقام غير متوقع. لكن السؤال الأهم: هل يمكن أن يأتي التغيير دون فعل؟ هل يمكن أن تنقلب الموازين بظهور حيوان مفترس، أم أن هذه مجرد محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة؟

ما لم يدركه كثيرون هو أن الوشق المصري، مهما بلغت قوته، ليس هو الحل. التغيير لا يصنعه وحشٌ في البرية، بل يصنعه وعي الناس بحقيقة أن المستقبل لا يُبنى بالانتظار، بل بالفعل والإرادة.

في النهاية، السؤال الحقيقي ليس عن ظهور الوشق المصري، بل عن لماذا أصبحنا نحتاج إلى وشقٍ من الأساس؟

 

“الوشق المصري.. المحارب المقدس ورمز القوة في الحضارة الفرعونية”

والوشق المصري، هو حيوان نادر وشديد الشراسة من فصيلة السنوريات، ويتمتع بقدرة عالية على الصيد بفضل سرعته التي قد تصل إلى 80 كيلومترا في الساعة، ويفضل العيش في المناطق الجافة والصحراوية.

ويعتمد الوشق في غذائه على فرائس صغيرة مثل الأرانب والقوارض، لكنه قد يهاجم حيوانات أكبر مثل الغزلان والظباء، ويفضل الوشق المصري حالة الانعزال وفرض السيطرة.

واحتل الوشق مكانة كبيرة في الحضارة المصرية القديمة، وله الكثير من المنحوتات والتماثيل، وتشير منحوتات الوشق إلى حراسته مقابر قدماء المصريين،ويقول عنه عالم الآثار المصري سليم حسن، في موسوعته عن الحضارة المصرية، إنه كان حيوانا مقدسا ويحظى باحترام المصريين القدماء.

وتصور نقوش المصريين القدماء “الوشق” كمحارب يواجه الأفاعي ويقطع رأس الفوضى عند شجرة الإيشد المرتبطة بالحياة والخلود.

ويقول الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن الرسومات والنقوش الفرعونية تصوره كرمز للقوة والذكاء في مصر القديمة، مشيرا إلى وجوده في العديد من النقوش على جدران المعابد، ما يدل على مدى احترام المصريين لهذا الحيوان، بل تم تصويره وهو يقطع رأس الفوضى.

وأوضح أن القط البرى هو صورة للمعبود “رع وأتوم”، وسرى ذلك إلى الأمثال الشعبية المصرية، مثل ما يقال “مثل القط بسبعة أرواح”، مؤكدا أن هذا مستمد من مصر القديمة لأن المعبود “رع” فى العقيدة والديانة المصرية له سبع أرواح.

وذكر أن أساطير النشأة في مصر القديمة، تقول إن قصة الخلق بدأت بصراع دار بين “آتوم رع” الذي يمثل النور والنظام وقوى البناء،وبين غريمه “عَبيب” الذي يمثل الظلام والفوضى وقوى الهدم، وقد انتهى الصراع بانتصار آتوم رع على غريمه، وبالتالي أصبح الخلق ممكنا بعد ما كان مستحيلا بسبب هيمنة “عَبيب”.

ويقول “شاكر”، إن اختيار القط البري تحديدا دونا عن كائنات أخرى لتجسدي “آتوم رع” يرتبط كذلك بقدرته على الرؤية الليلة، منوها بارتباط القطط في وجدان شعوب العالم القديم بالرؤية الليلية الواضحة، لذلك كان أفضل كائن يعبر عن قدرة “آتوم رع” على التعامل مع قوى الظلام والفوضى، لذلك تقول الأسطورة المصرية إن “آتوم رع” يغير هيئته لقط بري ليرى جيدا ويقطع رقبة الظلام.

 


اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

د. هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، إضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام، يشغل منصب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية وحقوق الإنسان بكندا، و رئيس تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المواقع الأخرى.هاني خاطر صحفيًا ومؤلفًا ذو خبرة عميقة في مجال الصحافة والإعلام، متخصصًا في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات، يركز في عمله على تسليط الضوء على القضايا المحورية التي تؤثر على العالم العربي، ولا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية.على مدار مسيرته المهنية، نشر العديد من المقالات التي تتناول انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة في بعض الدول العربية، فضلًا عن القضايا المتعلقة بالفساد الكبير، يتميز أسلوبه الكتابي بالجرأة والشفافية، حيث يسعى من خلاله إلى رفع مستوى الوعي وإحداث تغيير إيجابي في المجتمعات.يؤمن هاني خاطر بدور الصحافة كأداة للتغيير، ويعتبرها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومحاربة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

دعنا نخبر بكل جديد نعــم لا شكراً