شعار السيف والمحراث
بقلم آمال مختار

لما كان فرض الدوله اليهوديه بمفهومها الصهيوني الواسع هو الغايه الصهيونية والرفض العربي المستمر هو التحدي الاساسي لها فان العنف اصبح بالضرورة الوسيلة كما اصبح فرض الامر الواقع هو الاسلوب وكلاهما مظهر من مظاهر استخدام القوة هكذا اصبحت القوه بمظاهرها المختلفة هي السبيل الذي اختارته الصهيونية وبالتالي احتل العامل العسكري مركز الصدارة في المخطط الصهيوني باعتباره الاطار الذي لا غنى عنه لتنظيم استخدام هذه القوة ولهذا قام العمل العسكري بالدور الاول في خلق ونشر الوجود الصهيوني في فلسطين ومن هنا كان الوجود المسلح هو اقدم مظاهر هذا الوجود وبالتالي اصبحت المؤسسه العسكريه الصهيونيه هي اقدم مظاهر تنظيم هذا الوجود ولما كان الاستيطان هو جوهر الوجود الصهيوني في فلسطين فان هذا الجوعر قام على مبدأ اغتصاب الارض وتأمينها بالقوة ولذلك كانت اقدم الشعارات الصهيونيه التي أطلقت في فلسطين هو شعار السيف والمحراث ان مثل هذا الاطار العام للفكر الصهيوني بشعاراته العديدة القائمه على مفهوم القوه اصبح مرتعا خصبا لنمو المشاعر المتطرفه ويحق لنا القول بان المؤسسه العسكريه الاسرائيليه هو جوهر الفكر الايديولوجي الصهيوني لذلك اصبحت هذه النظريه المحور الذي تدور حوله السياسه الاسرائيليه عامة بميولها العدوانيه وغاياتها التوسعيه وهذه النظريه دائمة التطور بتطور الاحداث دون الخروج عن الجوهر الصهيوني الواسع وهي نظريه مرحليه مقيده قليلة التأثر بمفاهيم العصر وسنن التطور ومن ناحيةاخرى فان ارتباطها الايديولوجي جعلها تفتقر الى العمق والتقدير الواعي لحقائق التاريخ وتطورات الواقع وحتمية المستقبل طالما هي تؤمن بامكانية خلق حقائق التاريخ وفرض الواقع وتشكيل المستقبل من خلال استخدام القوه المسلحه شانها في ذلك شان النظريات الفاشيه التي لا تسعى سعيا حقيقيا نحو المعايشه وايجاد الحلول المناسبه للمشاكل القائمه بقدر ما تسعى نحو تحقيق المطامع بالعنف والقهر وقد اثبتت التجربه ان قوة الردع العسكري لم تحقق لاسرائيل غايتها النهائيه وهي فرض السلام بمفهومه الصهيوني كما قال بن جوريون في حديث له مع مراسل صحيفه هارتس الإسرائيلية في 20 اكتوبر 1967 قوله علينا ان نتخذ من الفتوحات العسكريه اساسا للاستيطان وواقعا يجبر الجميع على الرضوخ له والانحناء امام الاهداف القوميه الاسرائيليه
تنبثق السياسه الاسرائيليه العامه من الغايه الصهيونيه القوميه القائمه على خلق دوله يهوديه كبرى في منطقه الشرق الاوسط ضمن اطار المفهوم التاريخي الصهيوني لارض اسرائيل وقد تتطلب طموح الغايه الصهيونيه واتساع ابعادها السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه ان يمتد المخطط الصهيوني لتحقيق هذه الغايه على التدرج المرحلي والانتقال المتتالي من هدف الى آخر حتى تتحقق الغايه القوميه كاملة وقد عبر موشى ديان عن هذا المفهوم مع طلبة الجامعه العبريه عام 1968 بقوله في عام 1948 حصلنا على الدوله وحققنا الاستقلال السياسي وكان هذا بمثابه الروح اما الجسد الذي البس لهذا الروح من الحدود والمناطق فكان يجب من ناحيه الكم ان يكون بالقدر اللازم للاحتفاظ بهذه الروح اما الان بعد حرب الايام السته فقد وصلنا في عمليه العوده الى صهيون الى مرحله وضع خريطه اسرائيل خريطه المناطق والامن وصوره العلاقه بيننا وبين جيراننا
والالقاء مزيد من الضوء على حديث ديان لابد من ربط هذه الاقوال بابعاد الغايه الصهيونيه الاساسيه تلك الغايه التي جعلت من وجود اسرائيل وسيله لاداء وانجاز مهمه تاريخيه قوميه هي جمع شتات اليهود من انحاء العالم وتهجيرهم الى فلسطين مع تامين الحياه الطبيعيه لهم وخلق المجال الحيوي للنشاط الصهيوني في منطقه الشرق الاوسط ولذلك فان تحقيق هذه الغايه قد تتطلب في البدايه خلق قاعده الانطلاق اسرائيل ثم العمل على توفير الامن لهذه القاعده كنقطة وثوب ضروريه تحقق المجال الحيوي من خلال التوسع الاقليمي وفرض السيطره الصهيونيه على المنطقه
ان تامين اسرائيل الحاليه وتحقيق اسرائيل التاريخيه انما يشكلان معا المحور الذي تدور حوله السياسه القوميه الصهيونيه ومنها ينبع مفهومي الامن القومي والمجال الحيوي
ولكي يتكامل مفهوم الامن القومي الاسرائيلي في مواجهه الرفض العربي كان لزاما ان تسعى اسرائيل الى تحقيق جانبيه العسكري والسياسي من خلال عده اهداف اساسيه هي
1- التامين الجغرافي العسكري
ويرتكز على ثلاث دعائم
الحدود الطبيعيه الآمنه
التشكيل الجغرافي السليم
العمق الاستراتيجي الكافي
2- التامين السياسي
ويرتكز كذلك على ثلاث دعائم
تفتيت التضامن العربي ومنع قيام اي وحده عربيه
فرض السلام الاسرائيلي على العرب
تغيير الشكل السياسي لمنطقه الشرق الاوسط باثاره الاقليات القاطنه بها وحثها على الانفصال والاستقلال
اما عن المجال الحيوي
فيعتمد اولا على التوسع الاقليمي ومن خلاله يمكن تحقيق السيطره على منطقه الشرق الاوسط عدة اهداف رئيسيه كالاتي
1- التوسع الاقليمي
ويرتكز على ثلاث دعائم
السيطره على خطوط المواصلات العالميه والممرات الدوليه في المنطقه
الاستيلاء على الخطوط الاستراتيجيه التي تمثل المعاقل الدفاعيه عن المنطقه
الاستيلاء على موارد الثروه الطبيعيه والاراضي الخصبه
2- السيطره على المنطقه
وترتكز كذلك على ثلاث دعائم
تحقيق نهضه صناعيه كبرى من خلال قاعده تكنولوجيه متقدمه تكفل اقصى درجات الاعتماد الذاتي
فتح الاتصال الحر بالعالم العربي كضروره لتحقيق التغلغل الاقتصادي وقد صرح شمعون بيريس في تطلعاته الاقتصاديه والسياسيه في بعض الدول العربيه كالاردن ولبنان التي قال عنها شمعون انهما يمثلان الشرق الاوسط الصغيره
الاحتفاظ بالقدره العسكريه التي تحقق لها اليد العليا في المنطقه
ان كافه هذه الاهداف تشكل في مجموعها الغايه الصهيونيه الكبرى لذلك فهي اهداف متكامله يصعب فصلها عن بعض وهي جميعها تتاثر ببعضها وتؤثر فيها وتاخذ منها وتعطي لها وان طبيعه هذه الاهداف وابعادها قد طبعت الصهيونيه بطابعها العدواني وهي التفسير المنطقي الاسرائيلي وموقفه العدواني الصارخ من الشعوب العربيه التي تقف عائقا بين الصهيونيه وبين غايتها القوميه وما ينبع منها من اهداف استراتيجيه وسياسيه واقتصاديه كان ذلك كله هو العامل الاساسي الذي ادى الى تعاظم الصراع بين العرب واسرائيل
مبدا القوه وفرض الامر الواقع
سارعت اسرائيل بعد سنوات معدوده من قيامها الى دخول مجال الابحاث الذريه وتمكنت بفضل المساعدات الغربيه غير المحدوده التي تدفقت عليها دون ادراك لابعاد المخاطره بمثل هذه المساعدات حين ذاك من بناء مركز متقدم للابحاث الذريه والانتاج الذري
لقد بدا برنامج الابحاث النوويه يتخذ مساره في اسرائيل عام 1954 عندما شكلت لجنه الطاقه الذريه الاسرائيليه وكانت الولايات المتحده هي اولى الدول الكبرى مساهمة في ادخال النشاط الذري الى الشرق الاوسط في اسرائيل اقامت لها مفاعل النبي روبين بموجب اتفاقيه بينها وبين اسرائيل وقعت عام 1955 ضمن البرنامج الامريكي المعروف باسم الذره من اجل السلام وكان هذا المفاعل خاضعا لاشراف الولايات المتحده الامريكيه ثم انتقل الاشراف الى الوكاله الدوليه للطاقه الذريه التابعه للامم المتحده بناء على طلب من الولايات المتحده الامريكيه عند مناقشه مشروع تحليل المياه بالذره مع الرئيس الامريكي ليندون جونسون غير ان اكبر واضخم مراكز الابحاث الذريه في اسرائيل هو مفاعل ديمونه الذري الواقع في صحراء النقب جنوب شرق بير السبع وقد اسس هذا المركز في عام 1959 بناء على اتفاقيه سريه بين اسرائيل وفرنسا التي زودت المركز بالمفاعل والشحنه الاولى من ماده اليورانيوم ليبدا نشاطه الفعلي عام 1964 ويخضع هذا المفاعل لاشراف الولايات المتحده الامريكيه وتحرص اسرائيل حرصا بالغا على احتفاظها بحريه العمل في مفاعل ديمونا ولذلك رفضت دائما مطلب وكاله الطاقه الذريه الدوليه بالتفتيش عليه بحجه وقوع دينونه داخل منطقه عسكريه كما تزرعت بكثير من الاسباب لكي لا توقع على ميثاق حظر انتشار الاسلحه النوويه فتاره تعلن ان السبب في عدم توقيعها لهذا الميثاق هو قيامها ببحث النواحي السياسيه والاقتصاديه والصناعيه والدفاعيه واخرى تقول التحقق الذي يتطلبه هذا الميثاق سوف تمكن لعمليات التجسس على الرغم ان هذه المعاهده قد وجدت تاييدا من جانب الولايات المتحده الامريكيه والاتحاد السوفيتي كما وقعت عليها معظم الدول العربيه ومنها الجمهوريه العربيه المتحده وتعني المعاهده بالزام الدول الموقعه عليها بعدم تطوير او امتلاك الاسلحه النوويه والتعهد بوضع جميع المنشات النوويه الهامه الموجوده في اراضيها تحت رقابه دوليه مقابل تعهد الدولتين الاعظم بتقديم الضمان النووي للدول الموقعه على المعاهده عند تعرضها لتهديد نووي من قبل اي دوله وقعت على المعاهده او لم توقع عليها وان عدم التزام اسرائيل بهذه المعاهده انما يعبر عن رغبتهافى عدم قيد حريتها في مجال تطوير الاسلحه النوويه
خطر الاسلحه النوويه على اسرائيل
ان امتلاك اسرائيل الاسلحه النوويه قد يدفع بعض الدول العربيه الى قبول هذا التحدي الى الحصول على اسلحه شبيهه وفي هذه الحاله فان قبول التهديد بالتدمير المتبادل لن يكون في صالح اسرائيل بامكانياتها الجغرافيه والبشريه المحدوده ان محاوله الدول العربيه للحصول على اسلحه نوويه لمقابله التهديد الاسرائيلي سوف يتطلب اللجوء لدول كبرى ذات نفوذ وهو من وجهه النظر الامريكيه يتعارض تماما مع استراتيجيتها العامه ومع مصالحها الذاتيه
ان النجاح في خلق حاله من الردع الشامل بالتلويح بالسلاح النووي لن يكون مجديا في مواجهه حرب العصابات واعمال المقاومه المسلحه للشعب الفلسطيني وبذلك يمكن القول بان هذا الرادع النووي لن يؤثر على حركه الشعوب العربيه عامه والشعب الفلسطيني خاصه فاذا اضفنا اليها الامكانيات البشريه والجغرافيه والاستراتيجيه للشعوب العربيه فسوف تظل اسرائيل بعوامل ضعفها هذه مكشوفه امام مخاطر عديده بمعنى ان الرابع النووي لن يعوضها كثيرا عن نواحي الضعف التي ستظل باقيه قابله للاستغلال
لذلك ان طرح مثل هذا الفكر الصهيوني المعاصر الذي يسعى جاهدا لاستغلال طبيعه العصر في تحقيق مآربه الكبرى ووضعه تحت الضوء انما يرسم لنا الاهداف الدقيقه للغايه الصهيونيه وما تحمله في طياتها للعالم من مخاطر يستلزم نظره عربيه شامله لتشمل الابعاد الحقيقيه والمرامى الصهيونيه البعيده فان هذه النظره الواعيه سوف تضع العرب امام مسؤولياتهم التاريخيه وتجعلهم يدركون ان حشدا سياسيا واقتصاديا عربيا قادرا هو السبيل الوحيد لمواجهه التحدي والتصدي لكل محاولات اسرائيل واحباط خططها وتمكنهم بالتالي من درء الاخطار التي تحدق بهم وتحقيق ما ينشدونه من امل مشرق وعزة وسلام
اكتشاف المزيد من الاتحاد الدولى للصحافة العربية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



